محمد متولي الشعراوي

2725

تفسير الشعراوى

الغاية إلا في المجنون الذي يفعل الأفعال بدون أي غاية ، لكن العاقل يفعل الفعل لغاية ، ولهدف يرجوه . والمنافقون يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لأي غاية ولأي هدف ؟ ويكشف الحق هذه المسألة فيوضح : أنهم يبتغون العزة من الكافرين ، ولذلك اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين . ويلفتهم - جل شأنه - إلى جهلهم ؛ لأنهم أخذوا طريقا يوصلهم إلى ما هو ضد الغاية . فماداموا يبتغون العزة فليعرفوا أولا : ما العزّة ؟ . العزة مؤخوذة من معنى مادي وهو الصلابة والشدة . فالأرض العزاز أي الصلبة التي لا ينال منها المعول ، ثم نقلت إلى كل شديد ، فكل شئ شديد فيه عزّة . والمراد بها هنا : الغلبة والنصر ، وكل هذه المعاني تتضمنها العزة . فإذا قيل : اللّه عزيز . . أي أنه سبحانه وتعالى غالب على أمره شديد لا يمكن أن يقدر على محاله أو مكره أو قوته أو عقابه أحد . وإذا قيل : فلان عزيز أي لا يغلب ، وإذا قيل : هذا الشئ عزيز أي نادر ، وما دام الشئ نادرا فهو نفيس ، والمعادن النفيسة كلها أخذت حظها من ندرتها وقلتها . وما دمتم أيها المنافقون تطلبون العزة ، ألا تطلبونها ممن عنده ؟ . أتطلبونها من نظائركم ؟ . وعندما تطلبون العزة فذلك لأنكم لا تملكون عزة ذاتية ، فلو كانت عندكم عزة ذاتية لما طلبتم العزة من عند الكافرين . وهذا دليل على فقدانهم العزة لأنهم طلبوها من مساو لهم من الأغيار ، فالنافقون بشر ، والكفار بشر ، وبما أن كل البشر أغيار ، فمن الممكن أن يكونوا أعزاء اليوم وأذلاء غدا ؛ لأن أسباب العزة هي غنى أو قوة أو جاه ، وكل هذه من الأغيار . فأنتم أيها المنافقون قد طلبتم العزة ممن لم يزد عليكم ، وهو من الأغيار مثلكم ، ولم تطلبوها من صاحب العزة الذاتية الأزلية الأبدية وهو الحق سبحانه وتعالى ، ولو أردتم العزة الحقيقية التي تغنيكم عن الطلب من الأغيار مثلكم فلتذهبوا إلى مصدر العزة الذي لا تناله الأغيار وهو الحق سبحانه وتعالى .